الاثنين، 17 نوفمبر 2014

جلسة مع رجال الأعمال والحديث عن البيئة

 

 تاريخ النشر في جريدة أخبار الخليج :١٨ نوفمبر ٢٠١٤

الدكتور زكريا خنجي

جمعتني – في سلطنة عمان – جلسة مباركة في منزل ابن عمنا الوجيه العماني خليل بن عبدالله الخنجي مع مجموعة رائعة من كبار رجال الأعمال، وفي الحقيقة إنها أول مرة أجالس فيها رجال أعمال ونتحدث عن موضوع يهمني ويهمهم وهو موضوع البيئة.
دار حوارنا حول دور رجل الأعمال في المحافظة على البيئة والمسؤولية الاجتماعية التي يمكن أن تقع عليه أمام مجتمعه وبيئته، ولأني – كما أشرت – للمرة الأولى أجالس رجال الأعمال لنتكلم حول هذا الموضوع فقد أذهلني ما سمعت عن مفهوم هذه الشريحة من المجتمع، وللأسف لم يؤخذ رأيهم في الحسبان طوال السنوات الماضية.
ليس مهمًا ما أثير في تلك الجلسة، وإنما ما دار بخلدي بعد تلك الجلسة العديد من الموضوعات البيئية التي لو استطعنا أن نشرك فيها رجال الأعمال والصناعة وأن نمد الجسور بيننا وبينهم لاستطعنا أن نخفف الكثير من المشاحنات والمجادلات والاتهامات بين الطرفين.
فرجالات البيئة يتهمون رجال الأعمال والصناعة بأنهم يتسببون في تلويث البيئة وخرابها من أجل بضعة دنانير ومن أجل مصلحتهم الشخصية فقط، بينما رجال الأعمال يعانون الأمرّين حتى يستخرجوا تراخيص العمل لإقامة بعض المنشآت، حيث إن المطلوب منهم قائمة طويلة من الشروط والمواصفات والمعايير التي يجب أن ينفذونها حتى يمكنهم إقامة مشاريعهم.
ومثل هذا التقاذف بين الطرفين بدأ يلعب في ذهني وقمت باسترجاع كل تلك السنوات من العمل البيئي، ترى ماذا فعلنا نحن؟ لماذا كنا نعرقل كل تلك المشاريع العملاقة؟ ما المطلوب حتى تتم تلك المشاريع وتدر الثروة على البلاد؟
ثم تذكرت أمرا آخر، وهو لماذا لا يشارك رجال الأعمال والصناعة في صياغة القوانين والقرارات البيئية؟ أليس لهم الحق؛ حيث إنهم هم المعنيون بتطبيق كل تلك القوانين؟ ألا يحق لهم أن يقولوا كلمة في هذا الخصوص؟ لماذا نشك بوطنيتهم وخوفهم على مستقبل البيئة والوطن وحق الأجيال القادمة في الحياة؟
لماذا لا نجلس معهم لنسمعهم ونصغي إليهم؟
نحن نتهمهم وهم يتهموننا، ونتقاذف الكلمات والألقاب، ونعتبرهم ملوثين ومفسدين وهم يعتبروننا حجر عثرة في طريق التنمية والتقدم والصناعة، ثم ماذا بعد؟ ألا يمكن أن نجلس على طاولة واحدة ونتفاهم، لنسمع ماذا يريدون وليسمعوا وجهات نظرنا في مشاريعهم، حتى نصل إلى نقاط مشتركة لنعمل على أساسها في تنمية أوطاننا بدلاً من هذا الجفاء؟
ألسنا أبناء وطن واحد، تهمنا المصلحة العامة؟ أعتقد أنه آن الأوان لكي نتفاهم ونتقارب ويصغي بعضنا إلى بعض من أجل تنمية مستدامة.

السبت، 15 نوفمبر 2014

العودة إلى موضوع الانتخابات

 

بقلم: الدكتور زكريا خنجي

نشر في جريدة أخبار الخليج في 16 نوفمبر 2014

من الواضح جدًا أن هناك استياء عام في الشارع البحريني من موضوع الانتخابات فما زال الكثير من الناس عازف عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع حتى يقوم بحقه في اختيار نائب لمجلس النواب، وخاصة بعد أن شاهد الناس أن عدد كبير من المترشحين قد أعادة ترشيح نفسه، وهم أنفسهم الذين وقفوا ضد زيادة الرواتب وهم أنفسهم الذين قلموا أظافر المجلس في موضوع استجواب الوزراء.

ليس ذلك فحسب وإنما هناك اعتقاد وقناعة شبه تامة أن الحكومة هي التي تختار من تريد ليصبحوا أعضاء للمجلس وتقصي من لا تريد، لذلك فإن الناس أصبحت ترتاب في العملية الانتخابية برمتها.

وقضية أخرى، فإن الناظر إلى وجوه من تقدموا لترشيح أنفسهم – ليس كلهم ولكن عدد منهم – لا يعرف التحدث بالعربية أو أن يكتب اسمه، فكيف يمكنه أن يكون ممثلاً لدائرة انتخابية، فما بالنا بمشجع كرة قدم وصباب شاي وما إلى ذلك، ونحن هنا لا نسخر من أحد أو نقلل من شأنه، ولكن المجلس من المفروض أن يدخله نوعية من الرجال والنساء ذوي الكفاءات الذين يستطيعون أن يرفعوا من شأن البلد والمواطن، لا الذين يفكرون في جيوبهم وامتيازاتهم فقط، هؤلاء سيقومون مستقبلاً بوضع التشريع ومراقبة عمل الحكومة ودراسة الميزانيات وما إلى ذلك، فهل يستطيع كل من تقدم بترشيح نفسه أن يعمل ذلك ؟ أم أن الكفاءات يتم إقصاءهم من العملية الانتخابية وهذا الحديث بدأ يسري كسريان النار في الهشيم وخاصة بعد أن تم إقصاء عدد من الكفاءات الوطنية من العملية الانتخابية بسبب أو بآخر.

كما ولا حظنا أن بعض الجمعيات تقدم مرشحيها للانتخابات ليس بسبب كفاءاتهم أو قدراتهم العالية وإنما بسبب أنهم أعضاء في الجمعية فقط، حتى وإن لم يكن قادر على فعل شيء، المهم أن تمتلك الجمعية صوت ومقعد إضافي في المجلس يمكن أن يساعدها على تمرير مشاريعها وأفكارها، هذا طبعًا إن كان لها مشاريع وأفكار.

ومن المضحك المبكي – وخاصة في هذه الدورة الانتخابية – وجد بعض أعضاء المجالس البلدية في نفسه الكفاءة أن يقدم نفسه للترشيح كنائب للبرلمان، على الرغم من أنه لم يقدم لدائرته الخدمات المقررة والتي من المفروض أن يقدمها كعضو مجلس بلدي، يا ترى ماذا يمكن أن يقدم هذا الإنسان للبرلمان بعد أن كان عاجزًا أن يقنع المواطنين في دائرته من خلال عضويته في المجلس البلدي أنه الكفاءة المناسبة للمنصب القديم مقارنة بالمنصب الجديد ؟

بعض المرشحين يقدم نفسه على أنه الإنسان "السوبرمان" الذي يمكنه أن يحرك كل الملفات المغلقة؛ مقل: الإسكان والتعليم والشباب والمرأة والمخلفات والإيجارات والكهرباء وكل شيء، ويعزف على أوتار رغبات الناس وضعفهم وتطلعاتهم بحياة كريمة، وفي الحقيقة فإن الناس تعرف علم اليقين أنه لا يمكن أن ينجز 1% من الكلام الذي يقوله، ولكن الناس ضعفاء أمام احتياجاتهم الأساسية ورغباتهم الحياتية، فيضطرون إلى تكذيب أنفسهم ولكنهم أيضًا لا يصدقون مرشحيهم، وإنما يتغافلون عن هذه الحقيقة لاعتقادهم أن هذا المرشح يمكن أن يوظف ابنهم أو أن يحلحل الرواتب التقاعدية وبعض الأمور الحياتية الأخرى.

مثل هذه الأمور وأمور أخرى كثيرة جعلت الناس تعزف عن الرغبة في الاستمرار في العملية الانتخابية، وجعلت النكات تنطلق من الأفواه لتتندر من الانتخابات برمتها، فتزعزعت الثقة، فضرب اليأس جذوره في النفوس، إذن كيف يمكن إعادة الميزان إلى وضعه الطبيعي ؟

لا أدعي أن عندي الحل أو العصا السحرية لتوضيح الحلول التي من الممكن أن تمارسها الحكومة أو مجلس النواب للخروج من عنق الزجاجة، ولكن حتى تتضح الأمور بأسلوب علمي يجب أن ندرس الموضوع أولاً، كيف ؟ على الحكومة أن تصمم استبانة وطنية لدراسة اتجاهات المواطنين نحو البرلمان، وما تخوفهم من هذا المجلس، وهل هناك فعلاً عزوف أم أننا نشعر بذلك فحسب، وربما في الحقيقة – قد – لا يوجد عزوف، هل تمت دراسة كل الإشاعات والأقوال التي تروج عن البرلمان ؟ نحتاج فعلاً إلى حقيقة.

نتائج هذه الدراسة الوطنية يمكن أن تعد مؤشر لاتجاهات الناس وربما حتى معلوماتهم عن البرلمان وأدواره المختلفة في المجتمع، فكم مواطن لا يعرف دور المجلس النيابي في المجتمع ؟ وكم منهم يخلط ما بين المجلس النيابي والمجلس البلدي ؟ وكم من راغب في ترشيح نفسه للبرلمان وهو لا يعرف دوره في هذا البرلمان ؟ وماذا يحتاج الناس لرفع مستوى الوعي لديهم بالحياة البرلمانية ؟

تبنى على هذه الدراسة بعض البرامج التوعوية سواء من خلال التلفزيون أو الإذاعة أو الصحافة بالإضافة إلى استخدام قنوات ووسائل التواصل الاجتماعي، فاليوم يعد تجاهل وسائل التواصل الاجتماعي في أي خطة إعلامية ضرب من الغباء السياسي يؤدي حتمًا إلى الفشل السياسي.

وفي الحقيقة فنحن لم نسمع "بمعهد البحرين للتنمية السياسية" إلا منذ حوالي شهرين فقط، حينما بدأ في تنفيذ بعض المحاضرات للراغبين في الموضوعات المتعلقة بالبرلمان، وإن كنا نعتقد أن على هذا المعهد يقع عبء كبير في عمل العديد من البرامج التدريبية المستمرة طوال العام للراغبين كلها تصب في موضوع البرلمان والمجالس البلدية وما إلى ذلك، وإن كنا نقول برامج تدريبية مستمرة فإننا نقصد برامج تدريبية وليس مجرد بعض المحاضرات السريعة فقط، وليس المطلوب هنا بعض البرامج السياسية وإنما يمكن أن يشمل ذلك العديد من الموضوعات الأخرى التي يمكن أن تخدم النائب أو العضو البلدي في حياته العملية؛ مثل: القدرة على الحوار وتقبل الرأي الآخر، القدرة على التحدث أمام وسائل الإعلام، كتابة المحاضر والتقارير، إجراء البحوث .. الخ.

وربما يأتي ذلك اليوم الذي نفكر فيه في المؤهل الدراسي للراغبين في الترشيح للبرلمان، وقد يقول قائل إن من يملك الشهادة الجامعية قد لا يكون مؤهلاً للمجلس، فكم من إنسان قد لا يملك تلك الشهادة إلا أنه في حياته العملية إنسان فعال ومنجز ومتمكن من إدارة شئون أعماله ونفسه ومجتمعة، وفي الحقيقة نحن لا نختلف عن ذلك كثيرًا، ولكن من غير المعقول أيضًا أن نترك الحبل على الغارب لكل من جاءه الإلهام بالليل فيعتقد أنه الشخص المناسب لكرسي البرلمان، نحن نعتقد أنه يجب أن تكون هناك ضوابط ومقاييس واضحة ومحددة للعيان لكل من يرغب في الجلوس تحت قبة البرلمان.

ونعتقد أيضًا أنه حتى تتغير صورة البرلمان في أعين الناس فإنه يجب أن ينجز شيء – أي شيء – يكون للمواطن فيه النصيب الأكبر، وأن يمتلك فيه النواب أدواتهم البرلمانية الصحيحة حتى يستخدمونها بصورة صحيحة، فالكثير من المواطنين يتساءلون كيف استطاع البرلمان في جلسة أو عدة جلسان قليلة أن يفرض على المواطنين ضريبة التعطل (1%) ولكنه لم يتمكن حتى الأن من زيادة الرواتب على الرغم من مرور 12 سنة على التجربة البرلمانية في البحرين ؟ لماذا تمكن المجلس من الأولى وعجز بل وعجز عجزًا كبيرًا من الثانية ؟

لماذا لم يتمكن البرلمان من القضاء على الفساد الإداري والمالي على الرغم من تقرير الرقابة المالي الواضح، لا وبل والشديد الوضوح، لماذا المماطلة من قبل النواب ؟

يسمع المواطن بالعجز المالي للدولة إلا أنه في المقابل يرى البذخ في أمور أخرى كثيرة، لذلك يتساءل أتقتير هنا وبذخ هناك ؟ إذن أين الشعارات التي رفعها النواب مثل "نعمل من أجل المواطن" أو ما شابه ذلك.

يرى المواطن عجز وعجز واستمرار للعجز وأخيرًا فشل يؤدي إلى إحباط، وبالتالي فقدان الثقة بالتجربة البرلمانية في البحرين.

الناس في البحرين اليوم منقسمين إلى عدة فئات؛ فئة حسمت أمرها لذلك فإنها في خانة مقاطعة الانتخابات، فئة أخرى أيضًا حسمت أمرها وهي مع الانتخابات، فئة تريد أن تنتخب ولكنها لا تعرف لمن تقدم صوتها، فئة لم تحسم أمرها بعد، وفئة رابعة وخامسة وسادسة .. الخ، كل هؤلاء – فيما عدا المجموعة الأولى – يريدون أن يقتنعوا بالتجربة البرلمانية وأن يقدموا صوتهم لمن يستحق هذا الصوت حتى يخدم الوطن، ولكن الكثير منهم لا يعرف كيف ؟ فهل قدمنا له يد العون حتى يجتاز هذا الحاجز ؟

سألت ذات يوم امرأة كبيرة في السن نوعًا ما عن مشاركتها في الانتخابات وهل ستذهب إلى صناديق الاقتراح في اليوم المحدد لتقديم صوتها، ابتسم وقالت: أكيد، فقلت لها: يا خالة أنت امرأة كبيرة في السن، وربما هذا الموضوع لا يهمك كثيرًا. قالت: يا ولدي أخاف أن يأتي يوم يقول فيه أحفادي إنه بسبب أجدادنا ماتت هذه التجربة في مهدها، أنا أقوم بهذا الفعل لأجل أن تبقى لأحفادي لعلهم يستطيعون أن يغيروا شيء في زمانهم.

هذه هي الإيجابية التي ننشدها نحن اليوم.

القضية ليست اليوم وإنما غدًا وبعد غد، ربما لم نعرف ولم نستطع نحن أن نتعامل مع هذه التجربة، فهل نقتلها في مهدها، ونولول أن البرلمان لم يفعل شيء لنا ؟ ولنتفق جدلاً إن البرلمان لم يقدم لنا شيء، ولكن بقاء البرلمان واجب والمحافظة على بقاءه فرض، وجود البرلمان بكل سلبياته اليوم أفضل بكثير من عدم وجوده.

إن الذين يريدون أن يُفشلوا التجربة فهؤلاء لا يعرفون معنى الديمقراطية، بل لا يؤمنون بها وإن كانوا يتصايحون عليها ويذرفون الدمع، هؤلاء طلاب حكم وثروة وامتداد للسلطوية، فالديموقراطية ليست كذلك.

لذلك ومن قناعة شخصية نقول إن من الإيجابية المشاركة وليست المقاطعة، فالمقاطعة سلبية.

الاثنين، 10 نوفمبر 2014

حلقة عمل – د. زكريا خنجي

في حلقة العمل البيئي لمعدي ومخرجي البرامج الإذاعية والتلفزيونية على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي "الكوارث والأزمات" سلطنة عمان من 4 إلى 6 نوفمبر 2014

DSC_1216

DSC00307

DSC_1340

المضافات الغذائية - الصبغة الحمراء 2 جي (E128)

 

تاريخ النشر في جريدة أخبار الخليج :١١ نوفمبر ٢٠١٤

الدكتور زكريا خنجي

تعد الصبغة الحمراء 2 جي (E128) من الصبغات الصناعية التي تندرج تحت عائلة أصباغ المعروفة بأصباغ (azo) والتي تصنع عادة من المشتقات البترولية (coal tar)، وهي من الصبغات القابلة للذوبان في الماء وقابلة أيضًا للذوبان – بصورة طفيفة – في مادة الإيثانول. وعادة تأتي الصبغة على هيئة ملح (disodium salt of 8-acetamido-1-hydroxy-2-phenylazonaphthalene-3,6 disulphonate).
وعادة ما تستخدم الصبغة الحمراء (E128) في منتجات اللحوم لأنها لا تتأثر بثاني أكسيد الكبريت (E220) و[(E224,E223)، والذي يسهم في تبييض العديد من الألوان، ولكنها لا تستخدم في المواد الغذائية أثناء إجراء عمليات التصنيع بدرجات الحرارة العالية، ولا في المنتجات عالية الحموضة، حيث إنها تتحلل إلى ما يعرف بالصبغة الأمين الحمراء (10B)، وهي صبغة مشتبه بها.
ولقد ركزت معظم الدراسات التي درست الصبغة الحمراء 2 جي (E128) حول قدرتها على التحول إلى مادة (الانيلين Aniline)، التي يمكن أن تتداخل مع الهيموجلوبين في كريات الدم الحمراء، ولقد تبين من الدراسات التي أجريت على فئران التجارب أن الفئران التي تغذت على الصبغة (E128) أصيبت بفقر الدم.
ولقد فرض الاتحاد الأوروبي حدودًا لاستخدام الصبغة (E128)، حيث سمح بإضافتها للنقانق التي يتم تناولها على الإفطار بحد لا يزيد على 6%، ولحوم البرغر المخلوطة مع الخضراوات أو مع الحبوب بنحو 4%.
ولكن، وبعد المخاوف التي أثيرت في يوليو 2007 أعدت المفوضية الأوروبية مشروع اللائحة التنظيمية لوقف استخدام (E128) في تلوين الطعام، ولقد تمت الموافقة على هذا المقترح بالإجماع من قبل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وذلك على اعتبار أنها تتداخل مع هيموجلوبين الدم في كريات الدم الحمراء في صورة مادة الانيلين والذي يعتبر من المواد السامة، وهذه المخاوف قادت إلى أن الصبغة (E128) يمكن أن تكون مسرطنة.
ولقد منع استخدام هذه الصبغة (E128) في معظم دول الاتحاد الأوروبي إن لم يكن كلها، بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا واليابان وأستراليا.

البيئة بين القبح والجمال

 

تاريخ النشر في جريدة أخبار الخليج :١١ نوفمبر ٢٠١٤

الدكتور زكريا خنجي

في حديث شائق مع الفنان التشكيلي إبراهيم بو سعد عبر برنامجنا الإذاعي الأسبوعي «استديو البيئة»، تحدث بو سعد عما أسماه «تنمية الثقافة الجمالية» و«تنمية الذائقة الجمالية» لدى الناشئة حتى يمكن أن يميزوا ما بين ما هو جميل وما هو قبيح، فإن تمكنت المناهج الدراسية من أن تنمي هذه الثقافة وهذه النوعية من السلوكيات في الطفل فإنه حتمًا سيرفض أي نوع من أنواع التلوث الذي يمكن مشاهدته في البيئة.
فالطفل – مثلاً – عندما يجد أن رمي المخلفات من نافذة السيارة قبح فإنه حينما يكبر ويصبح أبًا أو مدير مصنع أو مؤسسة فإنه نفسه – حتمًا – تأنف أن يقوم بتلويث البيئة أو استهلاك مواردها بطريقة غير مستدامة، وهذا هو الجانب الإنساني في المحافظة على البيئة.
والعكس أيضًا يحدث، فالطفل الذي يعيش ويحس بأن الجمال هو المحافظة على الأشجار والشجيرات وبقية الكائنات الحية التي يمكن أن يقوم بتربيتها وإطعامها فإنه – وعندما يكبر – لن يكن عنصرًا سلبيًا في البيئة التي يعيش فيها، بل حتمًا سيكون عنصرًا إيجابيًا محافظًا على البيئة وعناصرها وكائناتها.
ونحن اليوم نعرف أن هذا علم قائم بذاته يسمى «علم الجمال»، فماذا يمكن أن يحدث إن حاول المشتغلون في حقل التوعية والتعليم البيئي بدمج هذه الفروع من العلم معًا، ترى كيف يمكن أن يكون الجيل القادم ؟
معظم البرامج والأنظمة التي تسير عليها المؤسسات سواء الحكومية أو الأهلية في مجال التوعية بالبيئة لا تتعدى الأوامر والنواهي، لا تلوث البيئة، لا ترمي بالمخلفات من السيارة، اقتصد من استهلاك الماء، لا تفرط في استهلاك الكهرباء، فهل حاولنا يومًا أن نشعر الإنسان بأن ما يقوم به من تلويث للبيئة وإفراط في الموارد وإخلال بالتوازن البيئي هو في الحقيقة أوجاع وآلام تصيب الأم أو الأب؟ هل حاولنا أن نعمل ترابط ما بين البيئة والطبيعة وحياتنا وأمراضنا وآلامنا وأوجاعنا؟ هل يمكننا أن نصل بالإنسان إلى أن يشعر بأنه مربوط بهذه البيئة، وينعكس عليه آلامها وأوجاعها؟ فإن تألمت وبكت فإن جزءا منه يتألم، وإن صرخت تستغيث فإن أطرافه تتخدر!
أيها السادة، أيها المربون، أيها البيئيون، إن البيئة والإنسان وجهان لعملة واحدة، فنحن ندعو للمحافظة على البيئة حتى نحافظ على الإنسان، وإن حافظنا على الإنسان فإننا في الحقيقة نحافظ على البيئة، فأي جزء من هذه المعادلة لا نفهمه؟
لذلك أقول، كما كنت دائمًا أقول، إنه يجب أن تربط برامج التوعية والتثقيف البيئي بالجوانب الإنسانية أكثر منها من أن ترتبط بالجوانب العلمية فقط، فإن كنا نريد – فعلاً – أن نربي جيلاً من المحبين للبيئة المحافظين عليها فإنه يجب أن نربي فيهم حب البيئة والاستشعار بها، وذلك من خلال خليط من البرامج العلمية والبيئية والإنسانية.

السبت، 1 نوفمبر 2014

الهجرة العظيمة والتخطيط النبوي

 

 تاريخ النشر في جريدة أخبار الخليج :٢ نوفمبر ٢٠١٤

بقلم: د. زكريا خنجي

ربما لا نعلم تحديدًا في أي ساعة قرر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخطط للهجرة إلى المدينة المنورة، ولكننا نعلم أن الرسول الأعظم كان يبحث للمسلمين عن دار يمكنها أن تؤويهم حتى يخفف عنهم عذابات المشركين، ونعلم أيضًا أنه صلى الله عليه وسلم كان يحادث القبائل في مواسم الحج، وخاصة بعد عودته من الطائف ويدعوهم إلى الإسلام، وكانت القبائل تجد نفسها مجبرة على عدم الإصغاء إليه ليس بسبب عدم قناعة ولكن -في الكثير من الأحيان- بسبب خوفها من قريش، حتى جاء ذلك الموسم الذي استمع فيه رهط من الخزرج لحديث رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم، فصدقوا وآمنوا بكلامه، وذلك لأن المدينة المنورة كانت مهيأة لاستقبال الإسلام والثقافة والفكر الإسلامي بسبب ما بثه اليهود الذين كانوا يقولون للعرب «إن نبيًا مبعوثا الآن قد أطل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم».
كان هذا التحريض اليهودي السلبي هو أحد الأسباب الإيجابية الذي أدخل الإسلام بسهولة إلى المدينة المنورة.
هل خطط رسول الله صلى الله عليه وسلم، في تلك اللحظة وبعد مقابلة هؤلاء الأفراد أن المدينة المنورة ستكون مقر إقامته وهجرته؟ لا نعلم.
ولكن الذي نعلمه أنه في العام الذي تلا ذلك، جاء اثنا عشر من الأنصار لملاقاته صلى الله عليه وسلم، وبايعوه بيعة العقبة الأولى، وعندما انتهى الموسم بعث معهم الصحابي الجليل مصعب بن عمير رضي الله عنه، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين، لذلك نعتقد أن بيعة العقبة الأولى كانت الانطلاقة الحقيقية التي بدأ منها رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطط لتهيئة المدينة المنورة لتكون مدينة الإسلام، وربما كان ذلك واضحًا في بيعة العقبة الثانية -في السنة التي تلتها- وذلك من خلال حديث العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه، وكذلك حديثه صلى الله عليه وسلم حينما قال للأنصار «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم» فرد عليه البراء بن معرور «نعم، والذي بعثك بالحق نبيًا، لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا» [والأزر هم النساء والأنفس].
وحتى يستجلي أبو الهيثم بن التيهان هذا الأمر قال: «يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالاً وإنا قاطعوها -يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟».
يقول الراوي؛ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «بل الدم الدم، والهدم الهدم» [بمعنى؛ إن من طلب دمكم فقد طلب دمي، وإن من أهدر دمكم فقد أهدر دمي، أما الهدم فتعني؛ أقبر حيث تقبرون وأنزل حيث تنزلون].
ومن ذلك يمكن أن نستنتج أن رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم بدأ يضع الخطوات واللبنة الأولى للتخطيط للهجرة التي سوف تغير مجرى التاريخ. فماذا وكيف خطط؟
تتجلى قدرة النبي صلى الله عليه وسلم في الإدارة والقيادة في الكثير من مواقع حياته، ومنها قدرته صلى الله عليه وسلم في إدارة والتنظيم والتخطيط للهجرة العظيمة.
ففي الهجرة النبوية الشريفة لم يكن صلى الله عليه وسلم إداريًا فحسب وإنما كان قائدًا يدير دفة العملية بإحكام وإتقان، فإن كانت وظائف الإدارة -كما يشير إليها علماء الإدارة- خمسًا؛ وهي: التخطيط، والتنظيم، والتوظيف، والتوجيه، والرقابة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلط تلك الوظائف بقدرته على القيادة ليجعل منها أذكى مخطط يمكن التفكير فيه أو اكتشافه.
وحتى نكون أكثر وضوحًا فإن القيادة تعني القدرة على التأثير في الناس وتوجيههم وتحفيزهم للقيام بأمر ما يوصل لتحقيق وإنجاز الأهداف. ويقول خبراء الإدارة إن القيادة تعد من أهم العناصر التي يجب توافرها في الشخص الإداري، لتكون سببًا في تحقيق الأهداف بأعلى درجات الكفاءة والفاعلية، ويعد التوجيه هو جوهر عملية القيادة.
ويمكننا أن نجزم بإن خطة الهجرة لم تكن وليدة اللحظة التي أمر فيها سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة، ولكن من الواضح أنه تم التخطيط لها فترة زمنية معينة، ربما لا نعرفها ولكن الأحداث التي جرت عليها الهجرة تشير إلى أنها لم تكن عشوائية أو وليدة اللحظة، فإن كانت قريش قد خططت بطريقة ذكية للقضاء عن النبي صلى الله عليه وسلم بحيث يتفرق دمه على القبائل فلا تستطيع بني هاشم إلا أن تقبل الدية في دمه الشريف، فكيف بحامل النبوة والمتصل بالذات الإلهية فهل يجعلها عشوائية من غير تفكير ؟ فماذا وكيف خطط رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم؟
• فريق العمل؛ في البداية قام الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم بتشكيل فريق عمل مكون من أبي بكر الصديق وأهل بيته وعلي بن أبي طالب رضوان الله عنهم أجمعين، ويمكن أن يلاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعان بخليط من الرجال ذوي الأعمار المختلفة، بينهم شيخ كبير يقرب من عمر الرسول نفسه وهو الصديق، وكذلك بعض الشباب وامرأة، وفي هذا الموضوع قضية كبيرة لا نريد مناقشها هنا في هذا المقال.
قام فريق العمل بتنفيذ الجزء الأكبر من المخطط الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في فراشه صلى الله عليه وسلم، ولم تكن تلك وظيفته فحسب وإنما كلف من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بإعادة الأمانات والودائع التي كانت بحوزته صلى الله عليه وسلم إلى أصحابها بعد مغادرته أرض مكة.
استعد أبو بكر الصديق وقام بتجهيز وسيلة النقل التي ستنقلهم من مكة إلى المدينة، وكذلك قام بتوفير المبالغ اللازمة للرحلة.
وظيفة عبدالله بن أبي بكر أن يستمع الأخبار ويختلط بالناس وفي نهاية اليوم ينقلها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وظيفة ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر الصديق أن تجلب الماء والطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار.
وظيفة عامر بن فهيرة -مولى أبي بكر- أن يرعى الغنم والتي من ضمنها غنم أبي بكر الصديق على الطريق الذي يسلكه عبدالله وأسماء أبناء الصديق ليخفي آثارهما ويخلطها بآثار الأغنام، بالإضافة إلى تزويد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بالحليب وربما باللحم والغذاء.
وظيفة عبدالله بن الأرقط -وكان مشركا- أن يقودهما إلى المدينة المنورة بطريق غير مأهول، ولا تسلكه العرب عادة.
• الخروج في الوقت غير المعتاد؛ ويمكن الملاحظة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في وقت لم يعتد الناس أن يروه فيه خارج منزله، تقول عائشة رضي الله عنها: «كان لا يخطئ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة والخروج من مكة من بين ظهراني قومه، أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها».
• استخدام الطرق الخلفية وغير المعتادة؛ اعتاد العرب أن يسلكوا طريقًا محددًا حينما يريدون أن ينتقلوا ما بين مكة والمدينة وبالعكس، لذلك فإنه صلى الله عليه وسلم لم يسلك ذلك الطريق، وإنما استعان بمرشد ليأخذه في طريق غير مأهول ولا تسلكه العرب عادة.
• المبيت والاختباء ثلاثة أيام؛ لم يرحل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مغادرته مكة إلى المدينة مباشرة، وإنما ظل في الغار والمنطقة المحيطة بالغار مدة ثلاثة أيام، وذلك حتى تهدأ نفوس أهل مكة وتهدأ المطاردة في هذه المنطقة، وعندما علم أن أهل مكة يئسوا من البحث في هذه المنطقة وولوا وجوههم في اتجاه آخر خرج متوجهًا إلى المدينة.

ويمكن الملاحظة أيضًا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستغل فريق العمل سواء في مالهم وجهدهم، وإنما دفع ثمن كل شيء، فقد روى ابن هشام في سيرته أنه قال: «فلما قرب أبو بكر رضي الله عنه الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم له أفضلهما، ثم قال: اركب، فداك أبي وأمي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لا أركب بعيرًا ليس لي. قال: فهي لك يا رسول الله، بأبي أنت وأمي. قال: لا، ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به؟ قال: كذا وكذا. قال: قد أخذتها به. قال: هما لك يا رسول الله».
وكذلك عندما بلغوا خيمة أم معبد التي سألوها شراء شيء يأكلونه، ولم يكن عندها شيء، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم شاة لها هزيلة، فاستأذنها في حلبها، فلم تمانع، فوضع يده على ظهرها وسمى الله ثم دعا بالبركة، فامتلأ ضرعها لبنًا، فسقاها حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا وشرب آخرهم صلى الله عليه وسلم، ثم أراضوا ثم حلب فيها ثانيًا بعد بدء حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها ثم بايعها وارتحلوا عنها.

إذن باختصار يمكن الملاحظة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مارس كل الوظائف الإدارية التي تكلم عنها علماء الإدارة، من أجل الهجرة من مكة إلى المدنية، فهو صلى الله عليه وسلم قام بعملية التخطيط للهجرة، وقام بتنظيمها، ووظف فريق عمل ليقوم بالتنفيذ، ومن الطبيعي أنه قام بتوجيه الفريق حتى تتم العملية على أكمل وجه، وأخيرًا راقب تنفيذ العملية حتى لا تفشل، بالإضافة إلى أنه كان القائد الذي يدير العملية كلها، حتى بلغوا المدينة المنورة بسلام.
ولكن يبقى سؤال؛ ألم يكن أسهل للنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه وفريق العمل أن ينقله الله تعالى كما أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بلمح البصر؟ لماذا كل هذا التخطيط وهذا الجهد وهذا الزمن الذي استغرق في هذه الرحلة؟
سؤال أتمنى أن تجيبوا عليه أنتم.