السبت، 9 مايو 2015

ما الخوف؟ وممّ نخاف؟

 

 تاريخ النشر في جريدة أخبار الخليج :١٠ مايو ٢٠١٥

بقلم: الدكتور زكريا خنجي

كم مرة أتيحت لأحدنا فرصة أن يغير حياته ولكنه لم يستغلها؟ كم مرة تردد محاضر واهتزت ركبه وهو واقف أمام الملأ ليحاضرهم في موضوع ما؟ كم مرة وقفت امرأة أمام مجموعة من الصراصير في المطبخ وبدأت تصرخ وتطلب النجدة؟ كم مرة وقفنا أمام قبر مفتوح فارتعدت فرائصنا عندما تخيلنا اليوم الذي سنكون نحن من يوضع فيه؟ كم وكم؟

ما الذي يعنيه كل ذلك؟
في برنامج تدريبي حول موضوع «مهارات العرض والتقديم» نشير دائمًا للمتدربين إلى تلك الدراسة التي أجريت في أمريكا حول «أسوأ عشرة مخاوف في أمريكا» وكان الترتيب كالتالي:
أ‌. التحدث أمام الجمهور.
ب‌. الارتفاع.
ت‌. الحشرات.
ث‌. المشكلات المالية.
ج‌. الماء العميق.
ح‌. المرض.
خ‌. الموت.
د‌. الوحدة.
ذ‌. الطيران.
ر‌. الكلاب.
ترى ماذا يمكن أن تكون النتيجة لو أجرينا مثل هذه الدراسة في الوطن العربي، ربما أضفنا إليها عدة مخاوف أخرى، مثل: اتخاذ القرار، وإثبات الذات، وتغيير العمل، والشرطة والمخابرات، وحرية الكلام، والحروب، والمدير أو المسئول، وفقد حبيب بسبب أو بآخر، والسخرية من الفشل، والفصل من الوظيفة، وما إلى ذلك.

حسنٌ، لو طرحنا عليك الآن هذا السؤال، هل ستجيب بصدق: ما الذي تخاف منه؟ سواء من هذه القائمة أو من قائمة أخرى أنت تعرفها فقط؟ وعندما تحدد إجابتك بصدق، فهل يمكنك أن تحدد لماذا تخاف من مخاوفك؟
وقبل أن نسترسل في موضوع الخوف لنحاول استشفاف حقيقة الخوف من خلال تعريف بعض العلماء -من عدة تخصصات- له.

فالخوف في اللغة هو الفزع، خافه يخافه خوفًا وخيفة، قال القرطبي رحمه الله: «الخوف في كلام العرب: الذعر، وخاوفني فلان فخفته أي؛ كنت أشد خوفًا منه، والخوفاء: المفازة لا ماء بها، ويقال: ناقة خوفاء وهي الجرباء. قال الجرجاني: «الخوف: توقع حلول مكروه أو فوات محبوب». ويقال أيضًا خوّف الرجل رجلاً آخر، بمعنى جعل في قلبه الخوف والفزع، ونقول كذلك خوّف الرجل أي بمعنى جعل الناس يخافون منه».
ويقول بعض علماء النفس إن الخوف غريزة بشرية موجودة في نفس كل إنسان، فمن منّا لا يشعر بالخوف من أي أمر من أمور الحياة، وهو ليس من الأمور التي تعيب الإنسان؛ فالإنسان الشجاع الجسور ليس الذي لا يخاف من شيء، بل هو الذي يتصرف أمام الآخرين بعدم الخوف، بحيث لا تظهر عليه أي أعراض أو معالم للخوف.
ونحن كلنا نعلم أن كل البشر يشعرون بالخوف، فلكل منا أمر ما يخيفه ويثير الرعب في داخله، وللخوف درجات تتفاوت من شخص لآخر تبعًا لطبيعة كل شخص، فهناك من يخاف من أمور حقيقية وواقعية قد تؤذيه وتضره، وهنالك من الأشخاص ما نجدهم يخافون من أتفه الأمور، وقد نجد بعض الأشخاص يخافون من أشياء معينة يرسمونها في مخيلتهم ويعتقدون أنها حقيقية، وفي بعض الأحيان يصل الخوف إلى درجة يصبح فيها مرضا نفسيا وهنا تكمن خطورة الشعور بالخوف، كونه يسبب العديد من الأمراض العضوية والنفسية لمن يصاب به.
يقول الأستاذ الدكتور علاء عبدالباقي إبراهيم «الخوف بصفة عامة انفعال من أهم الانفعالات الفطرية يولد بها كل كائن حي للحفاظ على وجوده، فجميع الكائنات الحية تناضل من أجل البقاء، والخوف إشارة خطر بالغة الأهمية مؤادها: خذ حذرك، إن شيئًا ما على وشك أن يؤذيك، فإذا كنت تعتقد أنك من القوة بحيث تستطيع التغلب على هذا الشيء الذي يهددك، فاستعد للقتال والمواجهة، أما إذا كان التهديد الموجه إليك بالغ الشدة والقوة، فعليك بالاحتراز والفرار خوفًا على حياتك، ويمد الخوف المرء بالحافز الضروري لتعبئة طاقاته والتصرف بحذر وتروٍّ».

ويقسم العلماء الخوف نوعين، هما:
أ‌. الخوف الموضوعي: وهو الذي ينشأ نتيجة خطر حقيقي يهدد حياة الإنسان أو سلامته أو أقرب الناس إليه كأطفاله.
ب‌. خوف غير موضوعي أو ما يعرف بالرهاب أو الخوف المرضي: وهو الذي ينشأ عن مواقف لا تهدد الإنسان بأخطار حقيقية كالخوف من الظلام أو الخوف من الأماكن المغلقة أو المرتفعة.

والخوف -كما نعتقد- عبارة عن غريزة بشرية مرتبطة بالعقل تظهر في أعراض متعددة ولأسباب متعددة، وهو شعور فطري وطبيعي ولكنه قوي ومزعج تجاه الأخطار، ومن الجدير بالذكر: إما أن تكون هذه الأخطار حقيقية وإما خيالية تكمن في ذهن الإنسان فقط. ولكن يبقى الخوف هو العدو الأعظم للإنسان، فالخوف هو السبب وراء الفشل والمرض وخلل العلاقات الإنسانية.
إذن، يمكننا أن نقول إن الإنسان يخاف وهذا أمر طبيعي، ولكن من غير الحكمة أن يكون الخوف عقبة وحاجزًا أمام الإنسان، يمنعه من التقدم والاحتفاظ بالحرية والكرامة، فالقرآن -مثلاً- اعترف بواقعية الخوف لدى الإنسان، ولا يعتبره جريمة أو عيبًا في الأساس، وإنما الجريمة تكمن في سوء الاستفادة، وفي الإفراط في ممارسة الخوف، وأن يصبح الخوف عقبة في طريق تقدم الإنسان وكرامته وحريته. وقد ورد في القرآن الخوف على خمسة وجوه؛ وهي:

أ‌. بمعنى القتل والهزيمة «وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ» سورة النساء - الآية 83، «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ» سورة البقرة - الآية 155، أي: القتل.

ب‌. بمعنى الحرب والقتال «فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ» سورة الأحزاب - الآية 19 أي: إِذا انجلت الحرب، «فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ» سورة الأحزاب - الآية 19 أي: الحرب.

ت‌. بمعنى العلم والدّراية «فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً» سورة البقرة - الآية 182 أي: علم، «إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ» سورة البقرة - الآية 229 أي: يعلما، «وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى» سورة النساء - الآية 3 أي: علمتم.

ث‌. بمعنى النقص «أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ» سورة النحل - الآية 47 أي: تنقُّص.

ج‌. بمعنى الرُّعب والخشية من العذاب والعقوبة: «يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ» سورة السجدة - الآية 16.

ويبقى السؤال المطروح؛ هل بإمكان الإنسان أن يواجه هذا الخوف الفطري؟ هل بإمكانه أن يتجاوزه وأن يطرحه جانبًا؟ بل هل بإمكانه أن يحول الخوف إلى قوة يمكنه استخدامها في الإقدام على ما لم يكن يستطيع الإقدام عليه؟
ولنا لقاء آخر.

الاثنين، 4 مايو 2015

المضافات الغذائية - الصبغة الزرقاء البراقة (FCF) (E133)

 

تاريخ النشر في جريدة أخبار الخليج :٥ مايو ٢٠١٥

الدكتور زكريا خنجي

الصبغة الزرقاء البراقة أف سي أف (E133)، أو الأزرق1، كما تعرف أيضًا بالعديد من الأسماء التجارية، وهي من الألوان التي تستخدم في تلوين الأغذية وبعض المواد الأخرى بهدف إضفاء بعض الألوان البراقة، ويرمز لها بحسب تصنيف حروف الاتحاد الأوروبي (E) بالرقم (E133). وتتميز الصبغة بأنها مسحوق ذات مظهر أزرق محمر، قابلة للذوبان في الماء. ومن المعروف أن هذه الصبغة تنتج صناعيًا باستخدام الهيدروكربونات العطرية من المنتجات البترولية، ويمكن أن تخلط فيما بينها وبين صبغة التارتازين (E102) لإنتاج بعض الصبغات ذات اللون الأخضر.
وعادة تستخدم هذه صبغة الزرقاء البراقة أف سي أف (E133) في الآيس كريم، ومعلبات البازلاء، والشوربة المعبأة، الملونات الغذائية المعبأة في زجاجات، منتجات توت العليق المنكهة، ومنتجات الألبان والحلويات، وبعض المشروبات، كما أنها تستخدم في تصنيع الصابون والشامبو وغسول الفم وغيرها من المستحضرات الصحية والتجميلية. وكذلك تستخدم علوم التربة، وذلك من خلال بعض التطبيقات الرائعة في تعقب الدراسات الخاصة بعمليات التصوير وتوزيع المياه وتسلسلها في التربة.
ووجد أن هذه الصبغة (E133) ليست ذات تأثيرات على التحورات الجينية، كما أنه ليس لها أي علاقة بالعمليات الأيضية في القناة الغذائية. إلا أنه في الوقت نفسه فإنه يوصى بعدم إضافتها لأغذية الأطفال مفرطي الحركة.
وفي المملكة المتحدة، وحتى عام 2008 كانت تستخدم صبغة (E133) في الشوكولاتة الملونة سمارتيز (Smarties)، إلا أنه تم استبدالها لاحقًا بصبغة سبيرولينا الطبيعي (spirulina). ومن المعروف أن الصبغة (E133) محظور استخدامها في ألمانيا، النمسا، بلجيكا، الدنمارك، فرنسا، اليونان، إيطاليا، إسبانيا، السويد، سويسرا وبعض دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، ولكن في الحقيقة لم يصدر قرار في دول الاتحاد الأوروبي بمنعها بصورة رسمية، لذلك فمازالت الصبغة (E133) معتمدة كمادة مضافة للغذاء آمنة في الاتحاد الأوروبي. ويعتقد أن هذه الصبغة (E133) يمكن أن تكون ذات قدرة على إحداث الحساسية في الأفراد الذين يعانون من الربو المعتدل.
وعندما كان العلماء – وخاصة العاملين في مجال تقليل التهاب النخاع الشوكي – يختبرون بعض المركبات لعلاج مثل هذه الالتهابات، وكانوا حينئذ يستخدمون مركب (OxATP) لمنع مستقبلات (ATP) في الخلايا العصبية الموجودة في العمود الفقري، ولكنهم لاحظوا أن مركب (OxATP) ذو آثار جانبية، ومع البحث وجدوا أن للصبغة (E133) عدة بدائل مماثلة، وقادهم هذا إلى صبغة ذات الصلة، وهي (الصبغة الزرقاء البراقة G) والمعروف أيضًا باسم
(Coomassie Brilliant Blue) الذي استخدم في الفئران مما أدى إلى تحسن التعافي من إصابة في النخاع الشوكي.

أما آن الأوان لنقل المطار إلى مكان آخر ؟

 

تاريخ النشر في جريدة أخبار الخليج :٥ مايو ٢٠١٥

الدكتور زكريا خنجي

لا أعرف بالتحديد كم مساحة مطار البحرين الدولي، ولا أعرف بالضبط كم من الأدخنة تنفث من الطائرات التي تزور المطار ليل نهار، ولكن كل الذي أنا موقن منه، أنه يمكن الاستفادة من هذه المساحة وتحويلها إلى وحدات سكنية للمواطنين وبالتالي نتخلص من كميات ضخمة من الملوثات التي تدخل أجواء الوطن.
وقرأنا كثيرًا عن الخطط المستقبلية للتوسعة والتي من المفترض أن تنتهي – بحسب معلوماتي عام 2020 – على أن تشمل هذه التوسعة مرافق تسوق إضافية فضلاً عن زيادة مساحة أماكن تجهيز وتعبئة العفش والأمتعة لتصل إلى ضعف حجم المساحة الحالية وتحديد منطقة منفصلة لتسلم العفش مع واجهة جديدة مميزة، وسيضاف إلى المطار أيضًا مواقف متعددة الطوابق للسيارات بكلفة تصل إلى 70 مليون دولار أمريكي وهو المشروع الذي لا يعمل فقط على توفير مساحات إضافية لمواقف السيارات وإنما يعمل أيضًا على توفير مكاتب ومساحات خاصة ببيع التجزئة تكون موصولة مع المبنى الرئيسي.
كل هذا رائع، ورائعٌ جدًا، ولكننا نسأل إن كان يحق لنا السؤال، وهذا السؤال ليس مني فحسب وإنما كلمني العديد من الأشخاص حول هذا الموضوع، هل سيستمر المطار في مكانه؟ ألا يمكن إيجاد مكان آخر له خارج حدود الخريطة الأصلية للبحرين؟
بمعنى آخر، ألا يمكن إنشاء جزيرة صناعية ربما تبعد بضع كيلومترات عن الجزيرة الأم، وعليها يمكن إقامة المطار الجديد؟ على أن تنشأ الجزيرة مع وضع كل الاعتبارات البيئية.
وقد يقول قائل إن هذا يكلف الدولة ميزانيات مضاعفة، وذلك من أجل إنشاء الجزيرة أولاً والطرقات والشوارع وبعدها إقامة المطار بكل ما فيه، ونحن نقول إن ذلك صحيح ولكن في المقابل فإن ذلك سيوفر على الدولة مستقبلاً أمورا كثيرة ويخفف من أعباء وزارة الإسكان، حيث يمكنها أن تحول تلك الأرض القابع عليها المطار الحالي إلى مشروع إسكاني رائع، بالإضافة إلى أن إزالة المطار عن وسط المحرق يقلل من نسب الملوثات الغازية التي تنفث بصورة كبيرة منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي حتى اليوم، فماذا يمكن أن يحدث لو استمر المطار في مكان وبدأ يزحف على المناطق المحيطة التوسعة الجديدة؟
في الحقيقة أنا من الذين سمعوا أن هناك مخططا لإنشاء جزيرة صناعية لإقامة المطار عليها، ولكني حتى الآن لم أقرأ أي تصريح أو توضيح، ولا أعرف إن كانت فعلاً الحكومة تتجه هذا الاتجاه، ولكنى شخصيًا أبارك هذا التوجه إن كان من ضمن المخطط إنشاء جزيرة بمعايير بيئية صارمة بحيث لا يؤثر ذلك على أي بيئة بحرية، ولا على كائناتها الحية أيًا ما كانت تلك الكائنات.
عمومًا، أتمنى أن أرى المطار الجديد وفي أجمل صورة وقد يتم بناؤه وفق المعايير البيئية.

الأحد، 3 مايو 2015

غضبُنا.. كيف نتحكم فيه ؟

 

 تاريخ النشر في جريدة أخبار الخليج :٣ مايو ٢٠١٥

بقلم: د. زكريا خنجي

أن نغضب هذا أمر طبيعي، وربما أمر مطلوب في بعض الأحيان، ولكن أن ندع انفعالاتنا هي التي تتحكم فينا فهذا هو الأمر غير المحمود، لذلك حاول العلماء منذ قديم الزمان أن يضعوا إرشادات للتحكم في الغضب، علمًا أن جزءا كبيرا من هذه الإرشادات واقعي وعملي يمكن تنفيذه وجزء منها غير عملي وربما لا يخدم الإنسان عندما يريد أن يتحكم في غضبه.
ولقد وجدنا أنه ما بين الستينيات والسبعينيات اعتمدت النظريات التي تتعامل مع الغضب بمفهوم أساسي وهو ضرورة التعبير عن الغضب بطريقة ما أو بأخرى، سواء بضرب الوسادة انتهاءً بعلاج الصراخ (Scream therapy). وكان يتم علاج الصراخ بترك المريض في حجرة بمفرده يصرخ عدة ساعات. لكن اتضح أن هذه النوعية من العلاج قد يزيد من حدة الغضب وربما لا يعد العلاج المناسب منه أو التخفيف من حدته، كما أنه يسهل من تعرض الإنسان له في أي موقف من المواقف والسبب يرجع إلى أنه كلما تم تدريب المخ زادت كفاءته في عمل الوظيفة التي تدرب عليها.
كما أيدت أيضًا هذه النظريات العلاج بالبناء الإدراكي والعلاج الروحي، اللذين يعي فيهما الشخص أن إدراكه لنفسه وللآخرين هو إدراك خاطئ ويمكن إصلاحه عند ممارسة التخيلات والرياضات الروحانية مثل التأمل التي تقوي من مهاراته في التماس الأعذار لغيره، كما أنها تعطي له الفرصة بأن يتصرف بطريقة أكثر تعقلاً وهدوءًا.

علاج الغضب في العصر الحديث
في العصر الحديث ينصح علماء الطب النفسي الأشخاص الذين يتعرضون لنوبات الغضب بتمارين خاصة تؤدي إلى نتائج مذهلة، هذه التمارين تسبب استرخاء في الذهن يؤدي إلى انطفاء نار الغضب وإخماد الثورة العصبية، منها أن يعدّ الشخص من 1ـ 2ـ 3.. حتى 30 قبل أن ينطق بأي حرف، كما يوصي الطب الحديث كل من يتعرض للغضب الشديد والانفعالات النفسية بالاسترخاء قبل إطلاق العنان للجوارح واللسان، وهذه الحقيقة الطبية كان لها الأثر البالغ في الوقاية من أخطر الأزمات عندما يوفق المرء في تمالك نفسه عند الغضب.
ويقدم أطباء الطب النفسي بعض الاقتراحات والنصائح، التي يمكن أن تخفف من حدة الغضب والتي منها:
1- الابتعاد: وهذا يعني أن الإنسان الغاضب يجب أن يبتعد بسرعة عن المكان أو الإنسان الذي أثار غضبه، ويلجأ بسرعة إلى مكان هادئ لممارسة عمل جديد، وهذا بالضبط يقابله الأمر بالوضوء والاستلقاء أو الاضطجاع الذي ذكرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم كحل عملي سريع لإذهاب الغضب.
2- الصرف: وهو عبارة عن تجاذب الأحاديث مع الأصدقاء والشكوى لهم مما يعانيه من الغضب والمشاكل لطلب المساعدة منهم مع صرف الغضب والعواطف السلبية الأخرى من أعماق النفس، وكذلك ما ذكرناه من العد من 1 - 30، ولعل هذا يقابله التعوذ بالله من الشيطان الرجيم والتزام الذكر.
3- التحول: يجب أن يخرج الإنسان الغاضب من الغرفة فور غضبه، ويذهب إلى الطبيعة أو يستمع إلى مقطوعة موسيقية أو آيات من القران الكريم ذلك لتحويل انتباهه النفسي إلى أشياء أخرى تخفف شدة غضبه وتخلصه من عواطفه السيئة بالتدريج.
4- تهذيب النفس: ويتضمن هذا الأسلوب ممارسة بعض الهوايات الشخصية الفنية كأداء الغناء أو التدرب على الخط أو عزف مقطوعة موسيقية بآلة موسيقية أو ممارسة أعمال أخرى لتخفيف حدة الغضب وطرد العواطف السلبية، وهذا يقابله بتعبير شرعي مجاهدة النفس كالجلوس والسكوت وصرف التفكير عن سبب المشكلة إلى صيانة النفس من الانفعالات وما يتبعها من تشويه للشكل والشخصية على حد سواء وازدراء الآخرين منه وبالتالي يتمكن من لجم نفسه المنفلتة وترويضها.
حسنٌ، ربما هذا ما جاء به الطب والعلم الحديث، فهل العلاجات النبوية قدمت أمور تختلف عن بعض من تلك العلاجات؟

الهدي النبوي والنصوص الواردة في علاج الغضب
1- الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم: وهي أسهل وسيلة وأسرعها في علاج الغضب وكظمه، فعن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال: كنت جالسًا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ورجلان يستبان، وأحدهما قد احمر وجهه، وانتفخت أوداجه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ذهب عنه ما يجد» فقالوا له: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعوذ بالله من الشيطان الرجيم».
2- السكوت وعدم الانتصار للنفس: وهي وسيلة عظيمة لكنها تحتاج إلى شيء من المجاهدة الجسمانية ومراقبة الإنسان نفسه في حال الغضب ليستطيع تطبيقها، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «علموا، ويسروا ولا تعسروا، وإذا غضب أحدكم فليسكت». قال ابن رجب رحمه الله تعالى: «وهذا أيضًا دواء عظيم للغضب، لأن الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول ما يندم عليه في حال زوال غضبه كثيرًا من السباب وغيره مما يعظم ضرره، فإذا سكت زال هذا الشر كله عنده، فهنيئًا لمن امتثل هذه الوصية وعمل بها ولا شك أنها وصية جامعة مانعة لجميع المسلمين».
3- تغيير الحالة التي هو عليها: فإن كان قائمًا فليغير مكانه أو حركته وذلك من أجل أن ينشغل بأمر آخر غير الغضب، ولقد ورد حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: «إذا غضب أحدكم، وهو قائم، فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب، وإلا فليضطجع».
4- كظم الغيظ: وهذه تحتاج إلى مجاهدة وصبر، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الشديد بالصُّرَعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».
5- الجوانب الإيمانية والروحانية: فإن ترك الغضب يؤدي للجنة، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة، قال: «لا تغضب ولك الجنة».

أما المنهج القرآني ففيه الكثير من الآيات التي تعالج ظاهرة الغضب الفتاكة، يقول تعالى في سورة الشورى - الآية 37 عن صفات المتقين الذين استجابوا لربهم: (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)، فالمغفرة هي أفضل علاج للغضب، والمغفرة هي العفو عن الشخص الذي أغضبنا وهذا يؤدي إلى رضوان الله.
ويدعو القرآن الكريم إلى العامل الإيجابي عند التعامل مع الغضب حينما يقول تعالي في سورة الرعد - الآيات 22 إلى 24 «وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ»، لاحظ إلى قوله تعالي «وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ»، وهذا يعني ادفع بالجانب والشعور الإيجابي وتسامح فإن ذلك أفضل طريقة لعلاج الانفعالات والغضب.
وفي سورة فصلت - الآية 34 يريدنا ربنا جل وعلا أن نحول مشاعرنا السلبية إلى مشاعر إيجابية، ليس ذلك فحسب وإنما يدعونا أن نحول العداوة إلى صداقة حينما يقول تعالى «وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ».
هذا التوجه القرآني هو ما يعرف اليوم بإدارة الغضب، والذي لا يعني التخفيف من حدة الأحاسيس، والتأثير النفسي الذي تحدثه مسببات الغضب فحسب وإنما تحويل كل هذه الانفعالات والطاقة السلبية إلى طاقة إيجابية يمكن الاستفادة منها بصور شتى، فلا يمكن للإنسان أن يتجنب الأشياء أو الأشخاص الذين يثيرون غضبه، أو أن يغير من المواقف التي تحدث أمامه في حياته، لكن بدلاً من ذلك عليه أن يتعلم كيف يتحكم في ردود فعله وتصرفاته.
ودائمًا نقول إنه من غير المسموح أن يتصرف الشخص بالطريقة التي تروقه للتنفيس عن غضبه، فهذه المنهجية ليس لها على أرض الواقع مكان إذ أنها خرافة خطيرة، حيث من الممكن أن تُستخدم كرخصة لإيذاء الآخرين، بل بالعكس يزيد ذلك من حدة السلوك العدواني ولن تُحل المشاكل إطلاقًا، وإنما من الأفضل البحث في مثيرات الغضب وتبنى خطط تجاهها للتعامل معها وتهدئة النفس بحيث لا يتفاقم الغضب أو يصل إلى درجة لا يمكن التراجع فيها عن العواقب.
وليس للحديث من بقية،،