السبت، 30 أغسطس 2014

العمل ضمن الدقائق السبع

 

تاريخ النشر في جريدة أخبار الخليج :٣١ أغسطس ٢٠١٤

بقلم: د. زكريا خنجي

قد أكون ضمن الكثيرين الذين يؤمنون أنه ينبغي للمرء أن يبدأ دائمًا بالعمل الأصعب وربما الذي لا نشعر بالرضا أو الرغبة في انجازه وبالتالي نتهرب منه، ربما أنا وغيري من الذين يؤمنون بهذا الأسلوب نفكر بطريقة أو بأخرى بأسلوب أكل أبشع «ضفدعة» تواجهك في اليوم، كما يشير إلى ذلك الباحث «برايان تريسي» في كتابه «ابدأ بالأهم ولو كان صعبًا.. التهم هذا الضفدع»، هذا الكتاب وإن كان صغيرًا في حجمه إلا أنه من الكتب العملية الذي يتحدث عن إدارة الوقت وكيفية الاستفادة منه، ولكن الذي يهمني في الكتاب هذه الفقرة التي يقول فيها المؤلف:
«يقال على مر السنين بأنه إذا كان أول شيء تفعله كل صباح هو أكل ضفدعة حية، فإنك ستكون راضيًا طوال اليوم لأنك تعرف أن هذا سيكون أسوأ شيء سيحدث لك طيلة النهار.
ضفدعتك هي واجبك الأكبر والأهم، وهي أكثر شيء تماطل به إذا لم تفعل شيئًا ما من أجله، وهي أيضًا المهمة التي لها الوقع الإيجابي العظيم على حياتك ونتائج اللحظة الراهنة.
ويقال أيضًا: إذا كان عليك أكل ضفدعتين فابدأ بالأبشع، وهناك قول آخر إنه إذا كان لديك واجبان مهمان، فابدأ بالأكبر، والأصعب والأهم أولاً. واضبط نفسك بأن تبدأ مباشرة وتتابع المهمة إلى أن تنهيها قبل أن تبدأ بالأخرى» وانتهى الاقتباس.
وقد يخالف آخرين هذا الرأي بحجة أن المرء يجب أن يبدأ أو يؤدي العمل الذي يرغب فيه، أما الأعمال الأخرى يمكن أن يتجنبها أو أن يفوضها لشخص آخر، ونحن من جانبنا نرى أن هذا المنطق يجانبه الصواب نوعًا ما، ولكن يبقى السؤال المهم: ماذا لو أجبرت أن تعمل هذا العمل الذي بين يديك؟ ماذا إن لم تجد من تفوض له العمل ورفض الزملاء تفويضك للعمل بحجة أنهم مشغولون؟ كيف ستتصرف؟
في واحدة من البرامج التدريبية التي أقدمها بين الفينة والأخرى في مواضيع الإدارة، قال لي أحد المتدربين: عندما غضب مسئولي عليّ وأراد أن يعاقبني حولني - أو نفاني كما قال الشاب - إلى قسم آخر يختلف تمامًا عن عملي السابق، نصحني زملائي الامتثال للأوامر حتى يهدأ المسئول وحينئذ سيتكلمون معه ويحاولون إرجاعي إلى عملي.
ذهبت إلى عملي الجديد وأنا مرغم على تنفيذ الأوامر، دخلت الغرفة فلم أجد إلا رجلا كبيرا في السن ربما تجاوز الستين من العمر (أبو عبد الله)، وكأن الدهر نساه هناك، رحب بي الرجل أحسن ترحيب، وأنا أتكلم معه على مضض، ثم جلس على مقعده الذي ينافسه في العمر وتلك الطاولة العتيقة.
جلسنا ساعات من غير أن أتكلم أو يتكلم هو، ومرّ اليوم الأول من غير أن أقوم بعمل أي شيء، واليوم الثاني والأسبوع الأول، ويبدو أن المسئول لم يشف غليله مني بعد.
وخلال تلك الفترات كنا أنا وأبو عبدالله نتبادل بعض الأحاديث من هنا وهناك، ولم يسألني قط، لماذا تم تحويلي إلى هنا، أو ما قصتي؟ ومن تلك الأسئلة الفضولية، ولكنه يبدو أنه رجل مرح يضحك ودائم الابتسامة، وكأن لا يكدر صفو حياته شيء.
وكانت الأعمال التي تحول إليه يقسمها إلى ثلاثة أقسام، الأول: ينجزها بسرعة ويعيدها في نفس الوقت تقريبًا، الثاني: كان ينظر إليها ويقلب الأوراق ويحاول خلال بضع دقائق أن يقرر ما أن ينجزها أم لا، فإن قرر أن ينجزها أنجزها ولكن يقوم بها على مضض، وفي النهاية يعيدها في أقرب وقت ممكن، الثالث: يقلبها أيضًا ولكن بعد دقائق معدودة يضعها في السلة التي بقربه على الطاولة، وبعد سويعات يعود إلى تلك الأوراق، فيحاول أن ينجزها وإلا فإنه يعيدها في نفس تلك السلة، ويكرر العمل مع هذه الأوراق حتى ينجزها كلها.
مرّ على وجودي مع أبو عبدالله قرابة ثمانية أشهر وهو على هذا الحال، ولأني من غير عمل، جلست أراقب سلوكه وقدراته في انجاز الأعمال حتى ضجرت من هذا التصرف الغريب، في اعتقادي.
فسألته ذات يوم عن طريقة توزيع الأوراق إلى ثلاث مجموعات وطريقة عمله، فتبسم العجوز، وقال: هل لاحظت ذلك، حقًا إنك شديد الملاحظة. ثم قال: اسمع يا ابني، أنا بالفعل أقسم الأعمال إلى ثلاث مجموعات، المجموعة الأول: أحب إنجازها لذلك أنجزها بسرعة وأعيدها اليهم، حتى يتأكدوا أني أقوم بعملي، أما المجموعتان الثانية والثالثة فهي أعمال لا أحب إنجازها، لذلك أقسمها كالتالي: أعطي لنفسي 7 دقائق للنظر وتنفيذ العمل في العمل المرسل كبداية للتنفيذ، وبعد الدقائق السبع إن وجدت نفسي أني استحسنت العمل أستمر فيه حتى أنجزه في النهاية، وهذه هي المجموعة الثانية من الأعمال، وإن وجدت نفسي بعد الدقائق السبع أني لا أرغب في تنفيذ هذا العمل أتركه في هذه السلة التي أمامي، وأتوجه إلى أداء عمل آخر أو ربما لشرب الشاي أو لأخذ استراحة قصيرة، وبعد أن أعود أحاول إتمام ذلك العمل الذي لم أرغب في إتمامه، وأعطي نفسي 7 دقائق أخرى لتنفيذ العمل، فإن شعرت برغبة في إتمامه أنجزته وإلا أرجعته في السلة مرة أخرى، وأتركه هناك حتى وقت لاحق، وهكذا.
يقول الشاب: وكان هذا من أجمل الدروس التي تعلمتها في حياتي من أبي عبدالله، ربما كان عقاب من المسئول ولكني تعلمت الدرس.
ونحن من خلال هذا المقال ننقل هذه التجربة للذين يجدون أنفسهم أمام مهمات لا يرغبون في أدائها، وضفدعة لا يرغبون في ابتلاعها، وعقبات يصعب عليهم اجتيازها.
العمل ضمن الدقائق السبع، فكرة أو نظرية أعجبتني، ولا أعرف - في الحقيقة - من أين تعلمها الشيخ أبو عبد الله ولكنها واقعية ومنطقية تمامًا، فالعمل - أيًا كان - إما أن نرغب في إنجازه أو نستثقله فلا نجد في أنفسنا رغبة في إتمامه، فالأولى سنتمها لأننا نحبها ونرغب في إنجازها، ولكن المشكلة في المجموعة الثانية التي لا نرغب في إتمامها، فما الذي يمكن أن نفعله حيالها، هل نقف مكتوفي اليد، أو أن نضع رؤوسنا بين أيدينا ونلطم؟ لا أعتقد أن أمورنا يجب أن تصل إلى هذا المستوى، لذلك وببساطة فإنه إن لم نرغب في هذا العمل فيمكن أن نمارس عليه فكرة الدقائق السبع، هي مجرد سبع دقائق فقط، ولكن بشرط ألا ننظر إلى الساعة، فإن النظر إلى الساعة أثناء أداء عمل يسبب التوتر والقلق، وتشعرك نفسك أنك لا تريد القيام بهذا العمل، وكأنك تقول لعقارب الساعة هيا أسرعي لتنتهي الدقائق السبع بسرعة حتى أرمي هذا العمل.
فكرة الدقائق السبع تقوم على الرغبة في إنجاز العمل، وليس من أجل الهروب منه وتركه وراء أظهرنا، وإنما لمقاومة النفس التي لا ترغب في أداء هذه المهمة، نحن نتحايل عليها، كما نتحايل على الطفل ليذاكر أو ينجز فروضه المدرسية، ونجبر النفس لكي تنتهي من أعمالها بدل من التسويف وإضاعة الوقت، وكلنا يعلم أن النفس البشرية ميالة للدعة والراحة، لذلك فنحن نتحايل عليها بهذه الدقائق وكأننا نقول لها: «حسنا، لنقوم بهذا العمل ضمن الدقائق السبع، من غير أن ننظر إلى الساعة، ربما وجدنا أنفسنا نرغب في إتمام المهمة، هيا لننجز هذه المهمة».
وإلا فإنه سيأتي علينا يوم نجبر على أكل أبشع ضفدعة حية، عندئذ فنحن مجبرون على إنجاز أي مهمة سيتم تكليفنا بها، فما نحن فاعلون؟
إذن عش الدقائق السبع وتعلمها وتدرب عليها، حتمًا سيأتي ذلك اليوم الذي ستجد نفسك تسير على هذه الفكرة وهذه النظرية.

الجمعة، 29 أغسطس 2014

الوصايا المحمدية في القضايا البيئية

 

بقلم: الدكتور زكريا خنجي

تم نشره في جريدة أخبار الخليج بتاريخ 31 أغسطس 1993

 

من مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

هذا الرسول وهذا الإنسان استطاع أن يجمع في كيانه البشري كل شمائل الخير والعظمة والعبقرية والنبوة، فستحق بجدارة لا مثيل لها أن يكون العظيم الأول في هذه الأرض منذ أن خلق الله آدم وحتى فناء آخر إنسان، بل وعلى مدار التاريخ، فلّيّكذب ذلك من يشاء وليصدق من يشاء ولكن تبقى الحقيقة هي هي لا تتغير.

استطاع هذا الرسول أن يجمع في وصاياه وأحاديثه وسيرته النقية الطاهرة كل معالم الحضارة والرقي والسمو، فلم يترك صغيرة ولا كبيرة، ولا شاردة ولا واردة إلا وذكرها، فلقد دعا إلى التعلم، إلى العبادة بمعناها الكبير، إلى الصناعة، حب الحياة والاستعداد للموت، وله وصايا كثير في الحرب والسلام، شؤون الدولة الاسلامية وعلاقاتها بالدول الأخرى وكل ما يرد على الخاطر، فلو اتبع المسلمون اليوم هذه الهدي لما تكالبت عليهم الأمم ولما باتوا يستغيثون بالعدو لمحاربة العدو.

وعلى الرغم من المهام العظيمة التي أرسل لأجلها، وعلى الرغم من المشاغل الكثيرة التي كان يعيشها، إلا أنه لم ينسى الإنسان – هذا المخلوق الذي سجدت له الملائكة – فأوصى بالمحافظة على كرامته وحياته، ليس ذلك فحسب فقد دعا إلى المحافظة عليه وعلى ممتلكاته وكل ما يمت إليه بصلة، كما أوصى بالمحافظة على الحيوان والنبات وكل ما يدب على الأرض، وحارب الاحتكار والمحتكرين، والإسراف والمسرفين، وكذلك لم ينسى رسول الله النظافة بكل معانيها، وكيف ينسى النظافة والإسلام رديف النظافة !

ونحن هنا لا نريد أن نقحم أنفسنا وقراءنا في قضايا ليست من شأن الصفحة، وإنما ما نريده هو أن نذكرهم ببعض وصايا الرسول العظيم في شؤون البيئة والصحة.

1- المحافظة على الصحة والعافية: يذكر أبن عباس رضي الله عنهما، إن إعرابيًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: ما أسأل الله بعد الصلوات الخمس ؟ فقال : سل الله العافية. فأعاد عليه فقال له في الثالثة: سل الله العافية في الدنيا والآخرة. وعن أبي بكر الصديق – صاحب رسول الله وخليفته الأول – رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سلوا الله اليقين والمعافاة، فما أوتى أحد بعد اليقين خير من العافية. وغني عن الذكر إن العافية هي الصحة.

2- الدعوة إلى الاعتدال ونبذ الإسراف: روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة. كما روى الترمذي دعوة رسول الله إلى نبذ الإسراف في قوله: ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطنه حسب ابن آدم لقيمات يقمن بها صلبه، فإن كان لابد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه. وهل يسرف الإنسان الآن إلا على طعامه ومعدته ؟ كما وأن الأحاديث النبوية تدعوا في مجملها إلى الاعتدال في كل شيء، فالإسلام دين الاعتدال والوسطية.

3- الدعوة إلى الطهارة والنظافة: عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عشرة من الفطرة: قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظافر وغسل البراجم (عقد الاصابع) ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء (الاستنجاء)، قال الراوي: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. وكما قلنا إن الإسلام هو النظافة بكل ما في هذه الكلمة من معنى.

4- ملابس الإنسان: عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم. وعن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البسوا البياض فإنها أطهر وأطيب. وهل ينفع في هذا المناخ الحار ذو الشمس الحارقة إلا الملابس البيضاء ؟

5- الدعوة إلى المحافظة على الممتلكات العامة: في رواية لأبي داود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الماء، وفي الظل، وفي طريق الناس. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إماطة الأذى عن الطريق صدقة. وقال أيضًا: من أذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم. ودعوة رسول الله مبنية على القاعدة الشرعية "لا ضرر ولا ضرار".

6- الدعوة إلى الاستزراع وحماية البيئة الحيوية: روى البخاري ومسلم والترمذي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة. كما قال أيضًا: إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها. وفي رواية للنسائي وابن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قتل عصفورًا عبثًا عج إلى الله يوم القيامة يقول يا رب أن فلانًا قتلني عبثًا ولم يقتلني منفعة. ألا يشتكي العالم اليوم من انقراض الكائنات الحية ؟ ألم تناقش هذه القضية على مستوى زعماء العالم في قمة الارض ؟

وبعد ماذا يمكن أن يقال، وهذا غيض من فيض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يسعني إلا أن نتوقف هنا، فالموضوع أكبر مما يتصور إنسان، فلو أراد دارس أن يحصي كل شيء لوسع ذلك مجلدات ومجلدات، وفي النهاية يجد نفسه في بداية الطريق، فرسول الله هو المعلم الأول، فمهما نهل الإنسان من محيطه فهناك المزيد والمزيد لكل الدارسين والباحثين وكذلك للمرجفين والحانقين والحاقدين.

يا رسول الله صلى الله عليك وسلم، نحتفل هذا الأسبوع بمولدك، وكذلك نقتبس من نورك وهديك فأنت القائد، ولا قائد لنا سواك، ونسير على هديك ونبحث في سيرتك لعلنا نصبح خير أمة أخرجت للناس.

فيا أيها المسلمون هذا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في المحافظة على الإنسان والبيئة، فهل نتخذ هذه السنة نبراسًا وسراجًا نسير عليهما لننقذ ما يمكن انقاذه من البيئة ؟ أم سنصبح جاحدين لهذا الهدي وهذه السنة المحمدية، وبالتالي ناكرين جميل المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام ؟

وأخيرًا نقول هذه دعوة رسول الله إلى المسلمين، فمن من هؤلاء سيستجيب ؟

النخلة في مهرجان التراث والثقافة

 

بقلم: الدكتور زكريا خنجي

تم نشره في جريدة أخبار الخليج بتاريخ 26 إبريل 1994

 

الاهتمام بالنخلة وتبني تربيتها والاكثار منها والعناية بها اتجاه صحيح لا نختلف عليه، بل على العكس تمامًا فإنه من المهم أن نشد على أيدي المسؤولين الذين اتخذوا من هذا الكائن شعارًا للمهرجان الثالث للتراث والثقافة. فإن كان شعار المهرجان يتخذ حسب أهميته فليس لهذا الكائن من فوائد فحسب وإنما فوائدها أكثر مما يتصوره إنسان، فقد لخص أحد الأعراب فوائد هذه النخلة فقال: (إننا نستفيد من النخل فوائد كثيرة، فإننا نستظل بها من وهج الشمس، ونأكل ثمرها، ونعلف ماشيتنا بنواها، ونعلن عن أفراحنا بسعفها، ونتخذ من عصير تمرها عسلاً، ونصنع من جريدها وخوصها الأسرة والحصران وغيرها من الأثاث، ونصنع من جذوعها خشبًا لسقوفنًا وأعمدة لبيوتنا ووقودًا لمطبخنا).

وقد حاول القائمون على المهرجان – ولهم جزيل الشكر – أن يبرزوا تلك الفوائد الكثيرة التي استطاع المواطن البحريني أن يجنيها من هذا الكائن طوال القرون الماضية فنجحوا في الكثير منها إلا أنهم لم يتمكنوا من أن يستعرضوا الجزء الآخر من تلك الفوائد، فعلى سبيل المثال – لا الحصر – لم نشاهد في المهرجان أو لم نقرأ عن الأهمية الغذائية لمنتجات النخلة مثل الدبس والرطب والمنتجات الأخرى ؟ وكذلك لم يتطرق المهرجان للكيفية الصحيحة لحفظ التمور – مثلاً – ولم يعرف المستهلك من خلال المهرجان الأساليب التي يتخذها البعض في غش التمور تجاريًا. أليست هذه قضايا مهمة كان من المفروض أن يحويها الكتيب – الجيد – الصادر بمناسبة مهرجان النخلة ؟

يقول الدكتور عبدالرحمن مصيقر – أستاذ التغذية الذي خسرناه – عن الدبس: (أما الدبس فهو عبارة عن عصير التمر الصافي ويحتوي على العديد من العناصر الغذائية الهامة
ويعتبر الدبس منجمًا حقيقيا للأملاح المعدنية فهو يحتوي على مجموعة كبيرة من هذه الأملاح، كما أنه من المصادر النباتية الهامة لمادة الحديد المهم للوقاية من مرض فقر الدم الغذائي والمنتشر بكثرة في البحرين بخاصة بين أطفال الحضانة والأمهات الحوامل والبنات في سن المراهقة. ويصلح الدبس بشكل خاص للمرضى في حالة النقاهة وكبار السن والأطفال المصابين بالنحافة فهو مصدر عال للطاقة الحرارية ولا يحتوي على الدهون. وبعد هذه الفوائد للدبس أليس من الأوجب أن نجعل الدبس أحد الأغذية الرئيسية في وجباتنا ونستغني عن ما يسمى بالمربى كليًا).

وأما الرطب فإن القرآن الكريم قد نصح السيدة مريم العذراء بتناوله عندما ولدت بالسيد المسيح، وذلك لأن هذه الفاكهة بما تحويها من مواد سكرية ونشوية تمد الجسم بالطاقة الحرارية ومواد أخرى تساعد على إدرار الحليب وتغذية الرضيع، بالإضافة إلى الفيتامينات والأملاح المعدنية التي تساعد الجسم على تعويض ما فقدته المرأة من دم أثناء المخاض والولادة، كما وجد أيضًا أن هذه الفاكهة تحتوي على عناصر مهدئة ومزيلة للألم وجالبة للنعاس والنوم.

هذه بعض المعلومات المتعلقة ببعض منتجات النخلة التي كنا نتمنى أن نراها وغيرها في كتيب "النخلة" الذي تم توزيعه أثناء المهرجان، فهذه المعلومات – في رأينا المتواضع – قد تساعد الناس كثيرًا على رعاية هذا الكائن الحي والمحافظة عليه، ليس ذلك فحسب وإنما قد تجعلهم يبادرون إلى اقتناء النخلة – التي تم توزيع فسائلها أيضًا خلال المهرجان – وزرعها في منازلهم بدلاً من الكثير من نباتات الزينة عديمة الفائدة الاقتصادية، وأعتقد أن هذا هدف سامي سعت الوزارة لتحقيقه من خلال هذه التظاهرة الثقافية الفنية.

كما كنا نتمنى أن نرى بصمات بعض الوزارات والجهات ذات العلاقة بزراعة النخيل والمحافظة عليه ولو ببعض الكتيبات أو الملصقات، وذلك لإثراء الجانب البيئي من المهرجان بدلاً من التركيز على الجانب الفني والحرفي، وخاصة ونحن نعيش يوم الأرض ويوم البيئة الإقليمي.

وعمومًا هذه الملاحظات لا تنقص من المهرجان أو كتيب "النخلة" الشيء الكثير ولا تحط من قدره فما تم عرضة كان جيدًا، ولكن – كما قلنا – كان ينقصه الاهتمام بالجانب الصحي والبيئي، وهذا القصور لا يمس القائمون على المهرجان بقدر ما يشير إلى الجهات المهتمة بهذه الجوانب ويتساءل عن سر اختفائهم الدائم عن الساحات الثقافية. وإن كانت إجاباتهم تقول إن هذا ليس من صميم عملنا، فنحن نتساءل عن ماهية وظائفهم ؟

السبت، 23 أغسطس 2014

قبعات التفكير والتفكير الملون

 

تاريخ النشر في جريدة أخبار الخليج :٢٤ أغسطس ٢٠١٤

بقلم: د. زكريا خنجي

عندما نجلس في اجتماع، أو عندما نشاهد ونستمع إلى نقل مباشر لجلسات المجالس النيابية، أو حتى عندما نكون في مجالس عامة، وعندما نسترخي لنستمع ونشاهد كل ما يدور حولنا في هذه الأماكن وبين كل هذا الخضم من البشر، نجد أن تفكير هؤلاء البشر يختلف من شخص إلى آخر، فلو طرح موضوع أو طرحت فكرة نجد أن أحدهم يجد أن الفكرة إيجابية وأنها سوف تساهم في تطوير كذا وكذا، وعلى العكس من ذلك نجد أن أحدهم يسخر من الفكرة ومدى تفاهتها، بينما نجد ثالثا يبحث في الجوانب السلبية للفكرة والأسباب التي تدعو إلى عدم تنفيذها وما إلى ذلك.
لنلقِ نظرة على وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال هذه الوسائل تطرح إحدى الحكومات فكرة إنشاء حديقة معلقة في مكان ما، فننتظر قليلاً ثم نقرأ تعليقات الجمهور: يقول أحدهم إن تلك الحديقة بعيدة عن منطقتي السكنية فكيف يمكنني الذهاب إليها، ألا يمكن للحكومة أن تبني هذه الحديقة في المنطقة التي نعيش فيها.. ويقول الآخر: لماذا هذا التبذير على حديقة ونحن نطالب بإنشاء منازل سكنية، أليس من الأولى أن تفكر الحكومة في بناء المنازل؟ ترى ماذا تقول أنت في مثل هذه الفكرة؟
وهذا النوع من التفكير الملون سواء كان التفكير السلبي أو الإيجابي أو الذي يتعامل بالأرقام أو التفكير العملي أو العاطفي تفكير صحي وسليم، وخاصة إن كان تفكيرا منظما يسعى للوصول إلى هدف أو تحقيق أهداف، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشير الصحابة رضوان الله عليهم في الكثير من الأمور فقد كان يقول لهم: «أشيروا علي أيها الناس»، فقد استشارهم في غزوة بدر وأحد والخندق، فكان الصحابة يتكلمون ويبدون آراءهم حتى وإن خالفت رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسولنا الكريم يدير كل تلك الحوارات والنقاشات، وفي الختام كان يجمع كل تلك الآراء ويفندها ويصل معهم إلى قرارات معنية تخدم الفكرة والهدف الذي يسعون إليه.
إذن، لم تكن تلك النوعيات من التفكير أنواعا جديدة وطرقا ابتكارية من التفكير، إلا أن العالم البريطاني (إدوارد دى بونو) استطاع أن يعيد تصميمها وتقسيمها وتصنيفها ليضع أمام العالم ستة أنماط من التفكير، وأعطاها ألوانا مختلفة حتى يبين الاختلاف بين كل تلك الأنماط من التفكير، وأطلق عليها حينئذ «قبعات التفكير الستة» وهي: قبعة التفكير البيضاء - قبعة التفكير الحمراء - قبعة التفكير السوداء - قبعة التفكير الصفراء - قبعة التفكير الخضراء - قبعة التفكير الزرقاء. حسنٌ، لماذا الألوان؟ وما تأثير هذه النوعية من التفكير على الإنسان؟ وقبل ذلك ما هذه النوعيات من التفكير؟
1- قبعة التفكير البيضاء: وهي تعني التفكير المحايد، أي أنها قبعة الحقائق المجردة، وهذا النمط من التفكير يتطلب التجرد من العواطف والاهتمام بالوقائع والأرقام، أي الحيادية والموضوعية التامة في استجلاء الأمور. ويركز الشخص أو صاحب هذا النوع من التفكير على المعلومات، فهو لا يتكلم أو يبدي رأيه إلا إذا توافرت لديه المعلومات والحقائق الكافية عن الفكرة أو المشروع. ويمكننا أن نميز صاحب هذا النوع من التفكير عندما يقوم هذا الإنسان بتسجيل الآراء المتباينة المختلفة في حالة وجود معلومات متضاربة، ويقوم بتقييم صحة المعلومات ومدى علاقتها بأصل الموضوع المطروح، وفي النهاية يقوم بالتفريق بين الحقائق المجردة والتخمين والتأملات، ويحدد طبيعة الخطوات التي يجب تنفيذها لسد أي نقص.
2- قبعة التفكير الحمراء: وهي نمط التفكير العاطفي، وهذا يعني أن هذه الشخصية يختلف عن شخصية القبعة البيضاء. فصاحب قبعة التفكير الحمراء يهتم بالمشاعر والأحاسيس ويظهر الجانب الإنساني غير العقلاني للمشروع أو الفكرة، ليس ذلك فحسب وإنما عادة يتحيز لأفكار معينة ويعبر عما يشعر به حيال الفكرة أو المشروع، وربما تكون قراراته أو تفكيره ناتجة أو مبنية على خبرات وتجارب سابقة لذلك لا نطالبه عادة بالتوضيح والشرح، وكثيرًا ما يعتمد الحدس في اتخاذ القرار.
3- قبعة التفكير السوداء: وهي رمز التفكير السلبي، وهو الذي نجده عند المتشائمين والمترددين والذين يتوقعون الفشل دائمًا ويرونه أكثر احتمالاً من النجاح. صاحب هذه النوعية من التفكير يرفض أي أفكار جديدة وسرعان ما ينقدها وينقضها ويظهر الجانب السلبي فيها حتى قبل الشروع في دراستها ومناقشتها أو حتى إعطائها الفرصة للظهور. وباختصار فهذا الإنسان دائمًا ما يركز على الأخطاء والمشاكل والمعوقات. ومن الجدير بالذكر أنه يخطئ من يعتقد أنه يجب التخلص من هذه الشخصيات التي تفكر بهذه النوعية من التفكير، ولكن في الحقيقة هذه الشخصيات ذات قيمة وفائدة وضرورة، إذ إنها تمنعنا من الوقوع في العديد من الأخطاء التافهة التي يصعب علينا التفكير فيها، بالإضافة إلى أنها تبين لنا بعض الصعوبات التي يمكن أن تكون ناجمة من تنفيذ الفكرة أو المشروع، هذه السلبيات التي يقوم هذا الشخص بإظهارها تفرض علينا أن نعيد دراسة المشروع مرات عدة حتى لا نقع في الأخطاء.
4- قبعة التفكير الصفراء: وهي قبعة التفكير المتفائل، التفكير الذي يرى الشمس الصفراء الساطعة التي تنير كل شيء، فصاحب هذه النوعية من التفكير متفائل، مقدام يمتلك التفكير الإيجابي والاستعداد للتجريب. ونجد أن صاحب هذا النمط من التفكير يتميز بالتركيز على الجوانب الإيجابية ويسعى إلى تهوين المشكلات والمخاطر، فعندما يتقابل صاحب قبعة التفكير الصفراء بصاحب قبعة التفكير السوداء مثلاً فإن صاحب قبعة التفكير الصفراء يقول للمتشائم: هل يمكن تعديل الفكرة حتى تصبح قابلة للتنفيذ؟ كيف يمكننا تطبيق هذه الفكرة الرائعة؟ ثم يستعرض الجوانب الإيجابية للمشروع، أيًا كانت الفكرة حتى وإن كانت صغيرة. فهو إذن -ببساطة- يشجع الأفكار الإبداعية والمبتكرة.
5- قبعة التفكير الخضراء: وهو نمط التفكير الإبداعي، فصاحب هذا النوع من التفكير يسعى دائمًا إلى التطوير والتحسين، ودائمًا يبحث عن البدائل والأفضل حتى ولو كان بتكلفة مالية أو أدت إلى مغامرة خاسرة، فهذا النوع من التفكير يعتبر -حتى- الخسارة درسًا إيجابيًا يمكننا أن نستفيد منها. فهذا الإنسان يبذل الجهد ويعدل أفكاره هو وأفكار غيره، ويزيل الأخطاء بمهارة ويتخذ الابتكار والإبداع ثقافة له.
6- قبعة التفكير الزرقاء: وتعني التفكير المنطقي والموجه، وهذا النمط من التفكير ينجح كثيرًا صاحبه في إدارة الاجتماعات وإدارة الندوات، فهذا النمط يتميز بالتفكير في تلخيص الأفكار وتجميعها للخروج بنتائج عملية ومفيدة. وصاحب هذه القبعة لدية معرفة وحسن إدارة لأصحاب القبعات الآخرين فهو يراهم ويحسن التعامل معهم ويصحح تفكيرهم وأخطاءهم، وفي النهاية يقوم هو وبالاستعانة بأنماط التفكير الأخرى بإصدار القرار المناسب.

يجد الكثيرون أن استخدام نمطية قبعات التفكير الست يمكن أن تعد أداة تفكير فعالة، حيث إنها يمكن أن تشجع التفكير المتوازي وتخصص مساحة وزمنا للتفكير الإبداعي ويتيح الفرصة لاستكشاف موضوع ما بعمق وتفحص بالإضافة إلى أنها نمطية من التفكير يمكن من خلالها أن يفصل المرء ما بين الأنا والأداء، ويجد صاحب النظرية (إدوارد دى بونو) أنه يمكن للفرد الواحد ممارسة كل هذه النوعيات من التفكير حيث يمكنه أن يستخدم قبعة واحدة ولفترة محددة من الوقت لتبني نمط تفكير معين وذلك لأغراض كتابة تقرير أو تسيير أعمال اجتماع أو في محادثة، أو يمكنه تغير نمط تفكيره بين لحظة وأخرى لبحث واستكشاف موضوع معين.

عمومًا، فإن المدير الناجح أو المسئول الناجح يمكن أن يستفيد من كل تلك الأنماط في التفكير في كل القضايا المحورية التي تعرض عليه، وحتى إن لم يجد من أفراد الإدارة من له قدرة على نوعية من التفكير فعليه أن يدير العملية وكأن الجميع موجود.

الأحد، 17 أغسطس 2014

استنهاض أمة

 

 تاريخ النشر في جريدة أخبار الخليج :١٧ أغسطس ٢٠١٤

بقلم: د. زكريا خنجي

يحكى أن رجلاً خرج يومًا ليعمل في الحقل كما كان يفعل كل يوم، ودّع زوجته وأولاده وخرج يحمل فأسه، لكن الرجل الذي اعتاد أن يعود الى بيته مع غروب الشمس لم يعد ذلك اليوم، وعبثًا حاول الناس أن يعثروا عليه إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل.
وبعد عشرين عامًا سمعت الزوجة طرقات الباب، فعرفت منها أن زوجها الغائب قد عاد، ففتحت الباب فوجدته شيخًا هرمًا يحمل معوله، وفي عينيه رأت رجلها الذي غاب عنها عقدين من الزمن. دخل الرجل بيته وألقى بجسده المتعب في أول مساحة فراغ في البيت فاستلقى، وجلست زوجته على ركبتيها أمامه، ثم همست في أذنه: أين كنت يا زوجي طوال تلك المدة؟
تنهد الرجل، وسالت دموعه، ثم قال: تذكرين ذلك اليوم الذي خرجت فيه من البيت متوجهًا الى الحقل آخر مرة، في ذلك اليوم رأيت رجلاً واقفًا في الطريق وكأنه يبحث عن شيء أو ينتظر قدوم أحد ما، فلما رآني اقترب مني وطلب أن يهمس في أذني، فطاوعته، فهمس في أذني بهمهمات لم أتبين ما هي وما فهمت منها شيئًا، فقلت له: ماذا قلت يا رجل؟
فضحك ضحكات عالية مخيفة ورأيت الشر يتطاير من عينيه، فقال: هذه تعويذة سحر أسود ألقيت بها في أعماق روحك، وأنت منذ اليوم عبد لي ما بقيت حيًا، وإن خالفت لي أمرًا تخطفتك مردة الجان والشياطين فمزقت جسدك وألقت بروحك في قاع بحر العذاب العظيم حيث تبقى في عذابك ما بقي ملك الجان جالسًا على عرشه.
فتسمرت مكاني من غير حراك، ثم سار بي الرجل إلى بلاد بعيدة، وأنا أخدمه في النهار وأحرسه في الليل، حتى وصلنا إلى البلدة التي جاء منها، فدخلنا بيته الذي كان أشبه بالقبر، ورأيت رجالاً كثيرين مثلي يخدمون الرجل، وكان كل واحد منهم يحمل في رقبته قلادة بها مفتاح، فإذا ما جاء الليل دخل كل منهم سجنه وأغلق القفل بالمفتاح ثم نام، فصرت أفعل مثلما يفعلون، فإذا نام القوم جعلت أنظر إلى المفتاح وأتذكر وجهك وأبكي، ذلك أنه ليس بيني وبينك إلا أن أفتح هذا القفل بالمفتاح الذي بين يدي ثم أرحل إليك، ولكني كنت خائفًا من مجرد التفكير في الموضوع، فكيف المحاولة! ومرت الأيام والشهور وأنا على هذه الحال.
وخلال السنوات الماضية رأيت من ظلم ذلك الرجل ما لم يخطر على بال أحد، فهو لا يعرف الرحمة، ولا يكترث لعذاب البشر، فكم سمعت ممن كانوا يعيشون معي من الرجال يبكون كالأطفال، ويرجونه أن يرفع عنهم ما أوقعه عليهم من السحر، فكان يقول: أقسم أني لا أعرف لهذه التعويذة من خلاص، ولا ينجو أحدكم بروحه إلا إذا مات وهو يخدمني وأنا عنه راض.
وكان دائمًا يتبع ذلك ضحكات مجللة مخيفة.
ومرت السنون وهرم الرجل، فلما اشتدت عليه أمراض الشيخوخة وشارف على الموت، وكنت واقفًا ذات يوم بجانب سريره إذ اني كنت أنا أخدمه وهو في سكرات الموت، فقلت له: يا سيدي، أنت الآن تحتضر، ولا نعلم كيف يكون الخلاص من السحر الذي ابتليتنا به، خلصني من ذلك أرجوك.
فضحك الرجل كعادته، فقال: أيها الأحمق، أنا لا أعرف شيئًا عن السحر، وما تلك الهمهمات والتماتم التي همستها في أذنك ذات يوم إلا كذبة ابتدعتها، لكن نفسك الضعيفة جعلتك عبدًا لي، وخوفك من الموت جعل روحك سجينة في زنزانة أنت تغلقها بيديك، وقد أعطاك الله عقلاً كالمفتاح الذي وضعته في عنقك، ولولا أنك رضيت لنفسك الذلّ والهوان والخنوع لفتحت باب السجن الذي كنت تعذب نفسك به، وكنت أسمع بكاءكم فأعجب من ضعف عقولكم وقلة حيلتكم.
فأسرعت إلى زنزانتي فالتقطت فأسي وعدت إلى الرجل أريد قتله فوجدته قد فارق الحياة، فعدت إلى الزنازين فأخبرت السجناء فهرعوا إلى جسده المسجي فقطعوه وأحرقوه، ثم جئت راكضًا، وها أنذا بين يديك.
هذه القصة الخيالية ذكرتني بوضع أمتنا العربية الإسلامية، فنحن سجنّا أنفسنا ووضعناها في قيد من الخوف والذل، مفتاح خلاصنا بأيدينا إلا أننا نخاف أن نفكر في الخلاص، استعذبنا العبودية والهوان، واستمتعنا بالركون والخنوع، فتكالبت علينا الأمم من كل جانب.
ماذا يمكن أن يحدث لو جلجلنا مفاتيحنا ودرسنا حال أمتنا؟
في عام 1983 صدر تقرير في الولايات المتحدة تحت عنوان (أمة في خطر)، أعدّته لجنة مكونة من 18 عضوًا يمثلون الحكومة والقطاع الخاص والتربويين من كل أرجاء أمريكا.
وكان الدافع الأساسي لإعداد التقرير – كما تشير بعض الدراسات – هو التحذير الذي أطلقه الكثير من المسئولين عن التعليم في الولايات المتحدة من أن النظام التعليمي في أمريكا متخلف في مستواه عن الدول المتقدمة الأخرى، واعتبار أن هذا يمثل خطرًا يهدد مستقبل الأمة الأمريكية. وعلى أساس هذا التقرير، تحددت ثلاثة أهداف كبرى لعمل اللجنة التي أعدت التقرير، وهي:
1- القيام بعملية تقييم موضوعية شاملة من جميع الأوجه للنظام التعليمي في أمريكا في جميع مراحله.
2 - إجراء مقارنة أمينة بين مستوى ودرجة تقدم التعليم في المدارس والجامعات الأمريكية وبين مثيلتها في الدول المتقدمة الأخرى.
3 - اقتراح التوصيات الضرورية الكفيلة بالنهوض بالنظام التعليمي في جميع المجالات ومعالجة أوجه التخلف.
وفي نهاية التقرير تم تقديم 38 توصية لمعالجة أوجه القصور والخلل والنهوض بالتعليم.
ويبقى السؤال، لماذا جيشت أمريكا كل مؤسساتها الحكومية والخاصة لكتابة مثل هذا التقرير الذي يكشف بكل وضوح مواقع الضعف والخلل في الجسد الأمريكي؟
تشير التقارير إلى أنه في أوائل الخمسينيات من القرن العشرين تزايد القلق الأمريكي من الاتحاد السوفيتي الذي وصل إلى حد الهستيريا، حيث كانت أمريكا في حرب باردة مع الاتحاد السوفيتي، ولقد بات من المتيقن لدى الأمريكيين أن الاتحاد السوفيتي يحيك المؤامرات، ولقد زادت مخاوف الأمريكيين نتيجة تطور السلاح النووي الروسي مما زاد من الاعتقاد أن التفوق الأمريكي بدأ ينهار.
عندئذ أوصت الجمعية القومية لمعلمي العلوم والجمعية الأمريكية لتقدم العلوم بضرورة تعديل مناهج العلوم لكي تساير التطور المذهل في المعرفة العلمية، وبالفعل حدثت بعض التغيرات في المناهج إلا أن هذا التغير كان طفيفًا ولم يكن يخدم الحلم الأمريكي.
في عام 1950 تم إنشاء (المؤسسة القومية للعلوم) التي أخذت على عاتقها مواجهة مشكلة نقص القوى البشرية في العلم والهندسة وتدريب المعلمين لتطوير طرق تدريسهم، وكذلك إعادة النظر في الكتب المدرسية المطبقة التي لم تكن صالحة للتغيرات العلمية والتكنولوجية.
وفي عام 1957 تعرضت مناهج الفيزياء في أمريكا للنقد اللاذع من أساتذة الجامعات بعد إطلاق القمر السوفيتي (سبوتنك) والذي كان بمثابة مؤشر مهم يدل على تفوق العلوم الروسية، فسارعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى علمائها تجمعهم وتحثهم على النظر في تطوير مناهج العلوم والرياضيات وإعادة صياغتها، ولهذا نشطت الجهود في أمريكا في أواخر الخمسينيات للنهوض بمناهج العلوم وظهر أكثر من 53 مشروعا منفصلا لتطوير مناهج العلوم كلفت حوالي 117 مليون دولار.
وعلى الرغم من هذا التطور الهام في مجال التربية العلمية فإن التربويين اكتشفوا في السبعينيات أن مناهج العلوم التي طورت تناسب فئة معينة من الطلبة وهم العلماء والمهندسون، أما السواد الأعظم من الطلاب فلن يكونوا من هذه الفئة، حيث ان المناهج في هذه المرحلة كانت تركز على الجانب الأكاديمي، ولا تأخذ في اعتبارها الجانب الاجتماعي للعلم أو الجوانب الشخصية للمتعلمين.
وخلال هذه الفترة دخلت على الساحة العلمية دولة صغيرة تحطمت بنيتها التحتية ولكنها لم تنهر معنوياتها وهي (اليابان)، وأدى ظهور هذا المارد التكنولوجي الصغير إلى استشعار الغرب للخطر، ليس ذلك فحسب وإنما اتجه إلى ضرورة الاستجابة لهذا التحدي العلمي الجديد.
فاستجابت كل الجهات لهذه النداءات وركز معظمها على موضوع العلم والتكنولوجيا والمجتمع فضلاً عن استخدام الكمبيوتر في المدارس. ولكن استمر الأمر يسير بخطى متثاقلة وذلك بسبب أنها لم تكن منظمة حيث انها كانت فردية حتى عام 1983 حيث صدر تقرير (أمة في خطر)، والذي ساهمت الحكومة في توجيهه ونشره والاعتناء به.
والحديث عن هذا التقرير طويل وتعليقاتنا أطول، وربما سنعاود الحديث عنه مستقبلاً، ولكن قبل أن نختم حديثنًا نود أن نقول: هل نشعر نحن – كأمة عربية إسلامية – بالخطر من جراء تقدم الأمم من حولنا وتخلفنا نحن فنستنهض الهمم ونتوجه إلى القمم؟ هل نصارح أنفسنا – ذات يوم – بأننا متخلفون علميًا واقتصاديًا وسياسيًا وبأننا تبع لأفكار ومذاهب سياسية تتقاذفنا كل تلك التيارات من غير حول لنا ولا قوة؟ هل نتكاشف فنتملك قراراتنا بأنفسنا؟ هل نجلل المفتاح الذي وضعناه في رقابنا ونفتح زنزانة أنفسنا وننطلق إلى المعالي؟